أحمد بن الحسين البيهقي

66

شعب الإيمان

فإنها تحبط مما تقدمها من الطاعات بقدرها وحتى ارتقى بعضهم إلى أصل الإيمان غير أنه لا يقول بالتخليد ، وأمره موكول إلى اللّه تعالى . إن شاء عفا عنه برحمته ، أو بشفاعة الشافعين ، وإن شاء ، عاقبه بذنوبه ، ثم أدخله الجنّة برحمته . واحتج بعض من قال بقولهم : بقول اللّه عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [ الحجرات : 2 ] الآية . إنما أراد بذلك أن رفع الصوت فوق صوته يقع معصية ، فيخرج إيمان الواقع ، ويحبط بعض عمله . واحتج أيضا بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] . قال الحليمي - رحمه اللّه تعالى - وقد يخرج هذا على غير ما قاله المحتج به وهو أن يكون المعنى : لا يحملنّكم أيها المهاجرون هجرتكم معه ، ولا أيها الأنصار إيواؤكم إياه على أن تضيّعوا حرمته ، وترفعوا أصواتكم فوق صوته فتكونوا بذلك صارفين ما تقدّم منكم من الهجرة والإيواء والنصرة عن ابتغاء وجه اللّه به إلى غرض غيره ، ووجه سواه ، فلا تستوجبوا به مع ذلك أجرا . ويخرج على وجه آخر ، وهو أن يقال : لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [ الحجرات : 2 ] . فإنّ ذلك قد يبلغ بكم حدّ الازراء به والاستخفاف له ، فتكفروا ، وتحبط أعمالكم إلا أن تتوبوا وتسلموا . وكذلك قوله : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] فليس على أن المنّ يحبط الصدقة ، وإنما وجهه أنّ الصدقة يبتغى بها وجه اللّه تعالى جده ، وهو المأمول منه ثوابها . فإذا منّ المتصدق على السائل ، وآذاه بالتعيير فقد صرفها عن ابتغاء وجه اللّه تعالى بها إلى وجه السائل ، فحبط أجره عند اللّه لهذا فضلت عند المتصدق عليه مع ذلك ، لأنه إن كان حباه